طباعة
قصة بضمير المتكلّم | اللجوء إلى التاريخ لفتح نقاشٍ حول إلغاء تجريم المثلية الجنسية في تونس

رامي خويلي © المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية

شارك طبيب تونسي في إعداد دراسة عن المادة 230 من القانون التونسي، والتي تجرّم المثلية الجنسية، كوسيلةٍ لإثارة النقاش العام والمناصرة لإلغائها.

لم يكن رامي خويلي، الطبيب المؤهَّل، يتوقّع أن يبحر يومًا في السجلّات الوطنية، وأن يقوم بأبحاثٍ تاريخية في قانون العقوبات التونسي. إلا أنه يؤمن بأن فهم الماضي، يمكن أن يكون المفتاح لتحسين الحقوق الجنسية والحريات الفردية في الدولة.

منذ عشر سنوات، عمل خويلي، بصفته طالب طب، مع الجمعية التونسية لمكافحة مرض نقص المناعة (الإيدز). وكان مرض الإيدز ولا زال من المحظورات في المجتمع التونسي. "كان الطب مدخلاً مقبولاً للتطرّق إلى تلك القضية الشائكة"، وفقًا لخويلي.

بيد أن تجربة العمل مع مختلف المجموعات المصابة بالإيدز، كمتعاطي المخدّرات بالحقن أو الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال أو العاملين بالجنس، قد نبّهته إلى حقيقة أن الوقاية من الإيدز لا تتعلّق فقط بالوصول إلى الخدمات الطبية، ولكنها تتضمّن مجموعةً كاملة من الحقوق المتصلة ببعضها البعض.

فإذا لم تُعامَل بكرامة، لن يُجدي الوصول إلى الخدمات الطبية، طالما أن الحقوق الأخرى، كالحق في العمل والمساواة والخصوصية، مسلوبة.

كسر التابوهات

يقول خويلي: "أتذكر صدمتي أثناء اجتماعٍ مع مدير من وزارة الصحة قبل الثورة، قال فيه أن مجرّد الحديث عن الصحة الإنجابية، ناهيك عن الصحة الجنسية، كان يصعُب التطرّق إليه في الوزارة".

في هذا السياق، يعدّ خلق مساحةٍ للنقاش المفتوح حول تجريم المثلية في تونس أمرًا صعبًا. إذ تنصّ المادة 230 من قانون العقوبات على أن المثلية جريمةً يعاقَب عليها بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. يُدان العشرات كل عام بموجب تلك المادة، ويخضعون لفحوصات مهينة.

من خلال عملهم، وجد خويلي وزملاؤه من الأطباء طريقةً تدريجية لفتح نقاشٍ، ليس فقط حول الصحة الجنسية بل الحقوق الجنسية كذلك. "على سبيل المثال، نستخدم كلمة شريك باعتباره مصطلحًا محايدًا، وبهذا يمكننا يدريجيًا خلق مساحةٍ للنقاش حول الميول الجنسية والهويّات الجندرية".

ثورةٌ من أجل الحقوق

في أعقاب اندلاع الثورة التونسية عام 2011، أصبحت الحقوق والحريات الجماعية التي طالما صادرتها السلطة على رأس أولويات النشطاء. حيث انتشرت منظمات المجتمع المدني وتشعّبت، وبدأ الخويلي يعمل مع العديد من منظمات حقوق الإنسان، منها الأورومتوسطيّة للحقوق، والتي شغل فيها منصب مستشار السياسات الخاصة بمنطقة المغرب العربي.

إلا أن عام 2015 شهد واقعتين جعلته يعاود بشدة تركيزه على الحقوق الفردية – "ليس أنا فحسب، بل المجتمع المدني بأكمله". حيث وقعت سلسلة من الاعتقالات بموجب المادة 230، لتهمٍ تتعلّق بتعاطي المخدرات. وقد سبّبت تلك الاعتقالات صدمةً بين منظمات المجتمع المدني على المستوى الوطني والدولي وفي وسائل الإعلام، بسبب الطريقة التي طُبّق بها القانون، وأثارت موجةً عارمة من الاعتراضات وردود الأفعال. "كان ما حدث مقلقًا للغاية؛ إذ رأينا كيف أن الناس لازالوا يتعرّضون للتهديد بسبب ما يفعلونه في حياتهم الشخصية".

كرد فعلٍ على الاعتقالات، تعاون خويلي وزملاؤه من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات مع 30 جمعية للبدء في الضغط من أجل مزيدٍ من الحريّات الفردية، بالتوازي مع صدور دستور عام 2014 الجديد. كانت تلك الأحداث بداية نشأة التحالف التونسي للحريّات الفردية.

في المناقشات حول المادة 230 مع الأصدقاء والزملاء، أدرك خويلي أن أصول القانون غير واضحة. فهو يعود إلى عام 1913 عندما كانت تونس تحت الحماية الفرنسية، لذا يلوم بعض الناس الاستعمار. "لكن هذا لا يفسر لماذا لم يتم تجريمه بموجب القانون الفرنسي في نفس الوقت"، وفقًا لخويلي. يلوم آخرون الشريعة الإسلامية. لكن مرة أخرى، لا يقدّم ذلك لخويلي تفسيرًا كافيًا؛ فلماذا تم تحديد العقوبة بثلاث سنوات؟ وردًّا على أولئك الذين يعزون السبب إلى الثقافة التونسية، يتساءل خويلي لماذا لم يكن هذا الأمر مجرَّمًا بموجب قانون العقوبات التونسي الأول (قانون الجنايات والأحكم العرفية) لسنة 1861.

بالنسبة إلى خويلي ، فإن فهم أسباب نشأة القانون بشكلٍ أفضل ومنبعه في المقام الأول يمكن أن يزيل المفاهيم الخاطئة ويدعم جهود المناصرة. بصحبة زميله دانييل ليفين سبوند، طالب دكتوراه في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، أجرى خويلي دراسة تاريخية في المادة 230، استنادًا إلى عشرات المقابلات والبحوث الأرشيفية والتحليل التاريخي المقارن مع أماكن مثل الجزائر ومصر والإمبراطورية العثمانية ومملكة سيام (تايلند).

"وجدنا العديد من المفاجآت أثناء بحثنا. كما نقول في العلوم، لاشيء مفقود، لا شيء مخلوق، كل شيء متحوّل".

بالإضافة إلى البحث التاريخي، تعرض الدراسة أيضاً تناول الفقه الدولي للقضية، وتتقصّى ولادة حركة المثليين ومزدوجي الميل الجنسي والعابرين جنسيًا في تونس، والتي أحرزت تقدّمًا كبيرًا منذ قيام الثورة. أحد الأمثلة على ذلك هو وجود مشروع قانون لإلغاء المادة 230، رغم أنه من غير المرجح أن يتم التصويت عليه قريبًا، لأنه ليس جزءًا من سياسة الحكومة.

وييعتزم كلٌّ من جويلي ودانييل ليفين سبوند، إلى جانب احتفالية إطلاق التقرير، تنظيم سلسلة من المناقشات العامة حول جوانب محدّدة من التقرير. يقوصل خويلي: "الفكرة هي إثارة رد فعل - سأكون غاضبًا إذا لم يحدث ذلك". ويأمل أن يشجّع التقرير، بالإضافة إلى كونه أداة للمناصرة، على إجراء مزيد من الأبحاث حول هذا الموضوع.

الدفاع عن الفئات الأكثر هشاشة

بينما يعتقد خويلي أن حركة "المثليين ومزدوجي الميل الجنسي والعابرين جنسيًا" قد حققت العديد من الانتصارات الرمزية في وقتٍ قصير للغاية، إلا أنه يتساءل عمّا إذا كانت الحركة تمثّل الفئات الأكثر هشاشة، ويرغب في تشجيعها على النقد الذاتي.

يعتنق خويلي مقاربةً شديدة الخصوصية لحقوق الإنسان. فمن خلال عمله في هذا المجال مع أشخاصٍ بخلفياتٍ قانونية، يشعر خويلي بقيمة خبرته الطبية. "كنت دومًا متّصلاً بالناس بشكلٍ مباشر، لم أشعر يومًا بأنّي منفصل عنهم. أعتقد أن هذا يضفي على منظوري مزيدًا من الإنسانية، على نحوٍ يتخطّى النصوص المكتوبة".

بقلم: سارة كروزييه

تنويه: يعكس هذا المقال آراء متلقّي المنحة ولا يعبر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية.