طباعة
قصّة بضمير المتكلّم | تعليم الطلاب التفكير النقدي ضمن النظام التربوي في أرمينيا

لوسين خاراتيان © المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية

تنشط في أرمينيا  أخصائية التربية المدنية لوسين خاراتيان التي تنفّذ حملات لإصلاح النظام التربوي في أرمينياالهدف منها محو حسّ القومية العمياء ورفع مستوى التعليم وتسليح الطلاب بمهارات التفكير النقدي ليكونوا أسياد قرارهم.

حرّية الفكر موضوعٌ لطالما شغل حياة لوسين خاراتيان فهي ترتعرت في بيتٍ أكاديمي في فترةٍ كانت فيها العاصمة يريفان  تحت سلطة  الاتحاد السوفياتي. تعوّدت لوسين منذ نعومة أظافرها على التعبير بحرية عن أفكارها على الرغم من  الرقابة التي كانت سائدة في حينه "لقد نشأت في ظروفٍ غير اعتيادية" تقول لوسين "كان يُحرَّمُ علينا قراءة الأعمال الادبية".

دخلت لوسين الجامعية في بداية تسعينات القرن الماضي  في الفترة التي شهدت  الحصار على أرمينيا والانهيار الاقتصادي فدرست تحت ضوء القنديل وطبقاتٍ من الملابس في ظل غياب الكهرباء ووسائل التدفئة.ومن ثم عايشت لوسين التحوّل الذي حصل في المجتمع بعد هذه الاحداث "ومنذ ذلك الحين اقتنعت أنّ التغيير في المجتمع ممكنٌ من خلال التربية والتعليم".

بعد تخرّجها في يريفان انتقلت لوسين إلى مصر حيث درست العلوم الديمغرافية، وتقول "عندما عدت إلى أرمينيا في العام 2000 رأيت أن المجتمع المدني بدأ ينمو ويكبر  فشاركت في مشروعٍ كان يهدف إلى تعزيز المجتمع المدني، ولكن، اتضح لي أنّ صنع السياسات هو الطريق إلى التغيير وهكذا التحقت بماجستير حول السياسات العامة في الولايات المتحدة".

بعد عودتها إلى أرمينيا، شاركت لوسين في مبادراتٍ لتعليم الكبار مع جهاتٍ مانحةٍ دولية، ولكنها شعرت بأنّ هذه المشاريع لا تحدث الوقع المأمول منها.

لوسين مقتنعة بأن الحراك على الأرض هو الذي يحدث التغيير التحقيقي، ومن هنا أهمية المبادرات المحلية التي تلبي الاحتياجات المحلية. الآليات التي تعتمدها الجهات المانحة والحكومات لا تجدي نفعًا.

عند هذه المرحلة، ونتيجة الاحصاءات المخيفة التي تتناول واقع قطاع التربية والتعليم وتظهر تنامي عدم المساواة الاجتماعية في الدولة، انخرطت لوسين في شهر نيسان / ابريل 2017  في مبادرة مدنية لدعم التربية والتعليم والتي تجتمع فيها شبكة من مؤسسات المجتمع المدني من أجل الدفاع عن حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية في قطاع التربية والتعليم في أرمينيا.

نمو القومية الوطنية

شعرت لوسين الأم بالخوف المتزايد إزاء ما يحصل في نظام التربية والتعليم في ظل "التحالف الوطني الغاضب" للحزب الجمهوري الحاكم الذي ازدادت حدّية الحس القومي فيه بعد النزاع على اقليم  ناغورنو- كاراباخ في نيسان / ابريل 2016.

تقول لوسين إنّ "النظام التر بوي يشدّد على العصبية القومية من جهة، ولا مكان فيه للتفكير النقدي من جهة أخرى. مواد  وحصص العلوم الاجتماعية تتمحور بشكل أساسي حول القومية والمواطنة؛ كتب التاريخ تنظر إلى الامور بعينٍ ضيقةٍ جدًا فتصوّر الشعب الارمني محاطًا بالأعداء وفي صراعٍ دائمٍ مع هؤلاء الأعداء، وتسلط الضوء بشدة على وقوع الأرمن ضحية للإبادة الجماية، وتتحدّث عن ضرورة المحاربة من أجل استعادة الأرض التي هي أكبر حجمًا من الأرض الحالية".

بدعمٍ من المؤسسة الاوروبية من أجل الديمقراطية، نظّمت المبادرة المدنية لدعم التربية والتعليم حملات لإدخال مهارات التفكير الحرج إلى نظام التعليم العام، وتقليص التفاوتات التربوية  المناطقية لا سيما في مناطق مثل كوتايك وأرمافير التي تشهد نسب تسرّب مدرسي عالية.

تتعاون المبادرة المدنية لدعم التربية والتعليم مع طلاب الثانوية العامة في هذه المناطق حيث تُشرِك الشبان في مشاريع الهدف منها تعليمهم طرق التأثير بصناع السياسات وحلّ المشاكل في مجتمعاتهم. "سلّح أولادك بالمهارات، وعندها سيمسكون بزمام الأمور" تقول لوسين.

ثورة تربوية؟

شارك الكثير من الشبان في "الثورة المخملية" التي حصلت في أرمينيا في العام 2018. لوسين تعتبر أنّ جزء كبير من هذه الثورة تحقّق بفضل الدعم السابق الذي قدّمته الجهات المانحة إلى بر امج التربية المدنية وبرامج التربية غير الرسمية وتقول "عندما تشجّع الحوار الصحي، يصبح التغيير ممكنًا. وهذا المنطق يصحّ أيضًا في موضوع المصالحة الأرمنية مع أذربيجيان حيث أدرك الناس أنّ القصص التي ترعرعوا عليها هي غير صحيحة".

وعلى الرغم من الثورة إلا أن وتيرة اطلاح نظام التربية والتعليم هي بطيئة في ظل ترسّخ الفساد الموروث من النظام السابق. نلحظ وجود بعض التطورات الإيجابية حيث نرى أنّ الحكومة الجديدة تستشير حاليًا المجتمع المدني بشأن مسوّدة قانون لمرحلة ما قبل المدرسة (الحضانة)، كما نرى أنّ وزارة التربية والتعليم  تنظّم حوارات عامة حول مواضيع منها أخلاقيات المعلم، ومناهج المدرسة والتعليم العالي.

المبادرة المدنية لدعم التربية والتعليم تسعى أيضًا إلى تأسيس نقابة للمعلمين من شأنها أن تساعد على تحسين ظروف عمل المعلّم في الدولة وعلى تشجيع مشاركة المعلم في عملية الاصلاح. لوسين تعتير أنّ نقابة المعلمين من شأنها أن تحقّق المساواة بين المناطق وأن تؤدي إلى توزيع أكثر عدلاً للموارد.

لوسين متفائلة بأن التغيير الإيجابي سيحصل وليس فقط في قطاع التربية والتعليم ولكن بشكل عام في الدولة، "لقد بيّنت الثورة بأنّ تعزيز العدالة الاجتماعية أمر ممكن لأن الثورة اكتسبت حجمها الشعبوي أصلاً بسبب اللا عدالة الاجتماعية".

بقلم ساره كروزيير

إخلاء مسؤولية: هذا المقال يعبّر عن آر اء الجهة الفائزة بالمنحة ولا يعبّر بالضرورة عن الرأي الرسمي للمؤسسة الاوروبية من أجل الديمقراطية.