طباعة
قصة بضمير المتكلّم |محامٍ تركي يحارب في المحاكم لحماية حرية التعبير

يامان أكدنير @ أرشيفه الخاص

يستخدم أستاذ في قانون حقوق الإنسان وقانون الإنترنت النظام القانون لمحاربة حجب الإنترنت وقضايا حرية التعبير ذات الدوافع السياسية في تركيا.

عندما نتمكّن أخيراً من التواصل عبر الهاتف، يعتذر يامان أكدنيز، أستاذ القانون التركي مني فهو قد أمضى النهار يجول في اسطنبول ويزور مكاتب محتملة لمنظمته غير الحكومية الجديدة إلا أن جهوده لم تؤتي بثمارها حتى الآن. ويشرح "لا يحب الملّاك في تركيا تأجير الجمعيات. فهم أولاً يخافون من اسمنا – جمعية حرية التعبير – وثانياً، لدى الجمعيات سمعة سيئة بأنها لا تدفع الإيجار."

على الرغم من أن الإعلام لطالما واجه مشاكل في تركيا، لربما من المفاجئ أن تكون خبرة أكدنيز في الموضوع نابعة من إقامته 16 عاماً في المملكة المتحدة حيث أتم دراسته وبدأ مسيرة مهنية أكاديمية ليصبح محاضراً رئيساً في جامعة ليدز، كما صار من البارزين في مجال حرية التعبير على الإنترنت وظهر كخبير أمام لجنة تحقيق في مجلس العموم عام 1999 في ما يتعلق بمقترحات الحكومة البريطانية حول سياسة التشفير الخاصة بها بصفته مدير منظمة Cyber-Rights.Org المنظمة غير الحكومية الأولى له التي أنشأها في المملكة المتحدة. ومنذ ذلك الحين، استعانت بخبرته منظمات دولية متنوعة بما فيها البرلمان الأوروبي، مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان (UNHCR) وممثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) حول حرية الإعلام.

أزمة منتصف العمر؟

يمازح أكدنيز قائلاً إن أزمة منتصف العمر أعادته إلى تركيا عام 2009 وكان عمره 41 سنة، وفي تركيا استأنف مهنته الأكاديمية كأستاذ قانون في جامعة اسطنبول بلجي وسرعان ما صار مشاركاً في الدعاوى القضائية المتعلقة بحجب الإنترنت.

تمحورت قضيته الأولى التي وصل بها إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وإن من دون نجاح، حول حجب النفاذ إلى موقعي MySpace وLast.fm. وتبعت هذه القضية دعاوى كثيرة أخرى لأشخاص تم حجب مواقعهم الإلكتروني، بمن فيهم عالم الأحياء التطوري المعروف ريتشارد دوكينز.

أدى استئنافه مع زميله كرم ألتيبرماك أمام المحكمة الدستورية التركية إلى إيقاف حجب النفاذ إلى تويتر في نيسان/ أبريل 2014 وإيقاب حجب النفاذ إلى يوتوب في أيار/ مايو 2014. في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2015، فاز أكدنيز وزملاؤه بطلب على مستوى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حول حجب النفاذ إلى يوتوب من تركيا بين عامَي 2008 و2010. وقد مُنح أكدنيز وزميله عام 2016 جائزة حرية التعبير العالمي من جامعة كولومبيا تكريماً لجهودهما في قضية اليوتوب.

على مدار السنوات الخمس الماضية، عمل أكدنيز وألتيبرماك على أكثر من 300 دعوى من خلال مشروع في جامعة أكدنيز، علماً أن نصف هذه الدعاوى تقريباً هي دعاوى حجب إنترنت والنصف الآخر يتعلق بالدفاع عن أفراد يواجهون تهماً جنائية لقدح الرئيس التركي أو المسؤولين والسلطات الرسمية، وتهماً مرتبطة بترويح الرعب، فضلاً عن أربع دعاوى لصحفيين تم توقيفهم عقب محاولة الانقلاب ويواجهون تهماً إرهابية. ويعتبر أكدنيز وألتيبرماك جميع هذه القضايا قضايا خطاب سياسي.

حينما قرّر الزميلان أنه آن الأوان لإطلاق منظمة غير حكومية متفانية، كانت المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية أول من قدّم التمويل، حيث زوّدتهما بمنحة لتغطية التكاليف التشغيلية في المرحلة الأولية ريثما يحصلان على دعم جهات مانحة أخرى، وهو ليس بالأمر السهل في مجال العمل هذا لا سيما ضمن تركيا حسبما يقول أكدنيز.

على استعداد لبذل الكثير من الجهد والوقت

إنه مشروع طويل الأمد أي أخذ دعاوى من هذا النوع إلى المحاكم علماً أن عمليات الاستئناف في تركيا تستغرق عادة ثلاث إلى أربع سنوات مع فترة انتظار أخرى لمدة خمس سنوات إذا وصلت إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وهذا أحد الأسباب الذي دفع أكدنيز وألتيبرماك إلى توجيه وتدريب محامين شباب. "لا يمكننا أن نستمر بهذا الأمر إلى الأبد، نحن بحاجة إلى دم جديد."

مع حملة التطهير التي تشنها الحكومة على أكاديميين ووسائل إعلامية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، يمكن رؤية هذا النوع من العمل على أنه خطير. ويصرّح أكدنيز "يوجد دوماً هذا الخطر. لكننا نقوم بكل شيء حسب القانون، ولا نفعل الكثير على شكل نشاط سياسي."

وهذا تمييز بالغة الأهمية، إذ يشير أكدنيز إلى أنه في العقود الأخيرة، حصلت نقلة من حالة قتل الصحفيين وتعذيبهم التي كانت مسيطرة في الثمانينيات والتسعينيات إلى محاولة السلطات إعاقة إعلام المعارضة ضمن حدود القانون، الأمر الذي يعني أنه يجاريهم في لعبتهم، ويطعن من دول كلل في كل قرار. والأرقام خير دليل على ذلك. فبين عامي 2015 و2017، حصل نحو 60 ألف تحقيق جنائي وأكثر من 12 ألف محاكمة تتعلق فقط بقدح الرئيس، هذا فضلاً عن أكثر من 612 ألف تحقيق في العضوية في منظمات إرهابية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة. يتم حالياً حجب ما يزيد على 220ألف موقع إلكتروني و150 ألف رابط URL من تركيا بما في ذلك موقع ويكيبيديا منذ شهر نيسان/أبريل 2017، وهو ما تقدّم الزميلان بطلب بشأنه أمام المحكمة الدستورية.

كتابة التاريخ

يقول أكدنيز "لستُ متفائلاً كثيراً بالوضع في تركيا غير أن ذلك لا يعني أنه لا ينبغي أن نحارب"، ويضيف "لسنا نقوم بذلك لكي نفوز، بل نحن نكتب جزءاً من التاريخ. ستكون الوقائع هناك، ما تم حجبه، من قبل من، ومن جرت محاكمته ولأي سبب. إننا نحاول توثيق أهم الانتهاكات لحرية التعبير عن طريق المقاضاة."

وكل دعوى يعملان عليه، كل استئناف يتم رفضه، كل قرار يتم تغييره، كل حكم عن محكمة عليا لصالحهما، يستدعي الانتباه للوضع الحالي لحرية التعبير في تركيا.

منذ يومَين، أجريت مقابلة مع أكدنيز ليتولى منصب قاض تركيب في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وقد كان المنصب شاغراً طيلة العامَين الماضيَين وتم رفض الترشيحات التي تقدّمت بها تركيا نفسها ثلاث مرات حتى الآن. ويقول أكدنيز بهذا الخصوص "أتقدّم بلطب في كل مرة". وهو لا يتوقع أن يتم ترشيحه من قبل الحكومة لكنه يرى في ذلك طريقة لمواصلة الضغط على الحكومة، ويضيف "أتحدث علناً عن العملية وأنشر تغريدان عنها"، وهو أمر يبدو أن لا مرشح آخر مستعد لفعله.