الاخبار

الدعم
العودة إلى الأخبار

طاولات مربّعة بدلًا من طاولات مستديرة. سي بي ار مولدوفا: نوع جديد من المنظمات غير الحكومية

20 كانون1/ديسمبر 2019

قرّرت منظمة سي بي ار مولدوفا (CPR Moldova) مبكرًا أنها ستفعل الأمور بشكل مختلف. فهي كانت ستحرص على أن يتم سماع رسالتها وأن يظهر الكاذبون. وكانت ستبقي الرسائل المزعجة في الضوء وتكشف الأكاذيب.

عندما أنشئ مركز السياسات والإصلاحات (CPR Moldova) في البداية، كان مؤسِسوه دوميترو ألايبا، أندريه لوتنكو وستيفان غليغور يريدون التركيز على الفساد المستشري في قطاع الأعمال وعلى إيجاد جو استثمار سليم في مولدوفا. وكانت المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية قد وافقت على تمويل هذه الأنشطة، إلا أن الوضع تغيّر كما يحصل غالبًا في أحد أكثر البلدان فقرًا وفسادًا في أوروبا.

سنة 2017، أعلنت حكومة الحزب الديمقراطية بقيادة الأوليجاركي بلاهوتنيوك تعديلًا في القانون الإنتخابي. في يوم استقلال مولدوفا سنة 1992، اعتمد البلد نظام تمثيل نسبي. أما اليوم، فقد أعلنت الحكومة أن النظام سيتغيّر ليصبح نظام أغلبية أو نظام الفوز للأكثر أصواتًا. ولاحقًا بعد مفاوضات مع الحزب الاشتراكي المعارض، اقتُرِح نظام مختلط بحيث يتم تخصيص نصف عدد المقاعد عبر نظام التمثيل النسبي بينما يحدَّد النصف الآخر على أساس نظام الأغلبية.

على حد تعبير لوتنكو "كان واضحًا منذ البداية أنه يتم تغيير النظام الإنتخابي لضمان فوز الحزب الديمقراطي. كانوا يفعلون كل ما بوسعهم ليضمونا سيطرتهم على جميع رؤساء البلديات والسلطات المحلية. وسرت شائعات كثيرة حول ابتزاز الناس وتلقيهم تهديدات لإجبارهم على التصويت للديمقراطيين. فكان الجهاز الحالي بكامله بين أيديهم وكانوا يديرون اللجان الإنتخابية."

شعر مؤسِسو سي بي ار مولدوفا أنه ليس أمامهم خيار سوى تغيير التركيز وبسرعة. فكان عليهم محاربة سوء استخدام الديمقراطية هذا من قِبَل الحكومة. وهم ممتنّون لقبول المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية دعم هذا التغيير في تركيزهم.

نعقد اجتماعًا في مكتبهم في القريب من وسط مدينة كيشيناو والواقع على طريق هادئ مصفوف بالأشجار. توجد دراجة هوائية مربوطة خارج المكتب المضاء والمزيّن بصور غلافات مجلة نيو يوركر. يجلس الفريق حول طاولة يحتسون قهوتهم الصباحية وتملؤهم الحيوية وروح الشباب. فهم يعتبرون أنفسهم جزءًا من نوع جديد من المنظمات غير الحكومية في مولدوفا.

يشرح لوتنكو "عددٌ كبيرٌ من المنظمات في مولدوفا يحذر الحكومة ويحترمها مهما تفعل. أعتقد أنه إذا فعلتَ ما نفعله منذ البداية عبر فضح الكاذبين، فستكسب احترام الناس." وتضيف إيلينا فارتا، المديرة التنفيذية للمركز "أردنا أن يكون لدينا تركيز مختلف منذ البداية. المنظمات غير الحكومية ليس موثوقة بشكل عام في بلدنا. لذا، قرّرنا باكرًا القيام بالأمور بشكل مختلف. أردنا العمل مع الناس لإشراكهم في القضايا التي تهمّهم فعلًا. فنحن تقول الأمور كما هي."

على حد تعبير ألايبا "نحن أشخاص متقاربو التفكير ونملك الهدف نفسه. أردنا أن نحدث فرقًا وقمنا بكل ما بوسعنا للتأكّد من وصول الرسالة، فاستعرنا بالميمات، الفكاهة، المدوّنات، الرسوم البيانية، التحليل، الوثائق السياسية، الافتتاحيات في المنصات المحلية والدولية، العرائض وطلبات المعلومات، النقاشات العامة، التجمّعات المفاجئة (الفلاش موب) وحتى الاحتجاجات. حتى أننا قاضينا الحكومة عدة مرات. أردنا أن نكون مبدعين ومختلفين، وأن يُنظَر إلينا كمختلفين. لم ننظّم طاولة "مستديرة" واحدة. فجميع طاولاتنا كانت "مربّعة". قمنا بكل ما يلزم لتسليط الضوء على المواضيع المزعجة وكشف الأكاذيب."

اكتسبت سي بي ار مولدوفا خبرة في الحملة الهادف إلى محاربة تغيير القانون الإنتخابي، حتى أنها سعت إلى تنظيم استفتاء ضد القانون. وتشرح فارتا "كنا نعرف مدى تعقيد الموضوع. لذا، كانت استراتيجيتنا منذ البداية إبقاء الأمر على أكبر قدر ممكن من البساطة. فقمنا بمقارنة النظام المختلط بالحب عبر استخدام الفيديو ومخطّطات المعلومات البيانية والرسوم الهزلية للتواصل بشأن الموضوع. وقصدنا كافة أنحاء البلاد للتحدث إلى الناس، فالتقيناهم في الأسواق وتحدّثنا معهم وأجرينا معهم استبيانات حول النظام الجديد. واعتمدنا رمز "المارتيزور" وهو الرمز المولدوفي الأحمر والأبيض لحلول فصل الربيع كشعار لحملة الاستفتاء لتغيير هذا القرار. وكنا نعرف أن الحكومة تصد أنشطتنا وأنها كانت غاضبة إزاء ما كنا نقوم به."

من المواضيع الأخرى التي عملت عليها سي بي ار مولدوفا وكان لها أثر كبير موضوع جهود الحكومة لاسترداد المليار دولار المسروقة من احتياطي البنك الوطني في مولدوفا، وهي جريمة تم الكشف عنها سنة 2014. يقول لوتنكو في هذا الصدد "قالت الحكومة الديمقراطية إنها ستضع لوحة في الساحة الرئيسية في كيشيناو لتظهر كم من المال تم استرداده لكنها لم تفعل شيئًا. فراحت فقط تنشر معلومات خاطئة بسبب ضغوطات منا ومن منظمات أخرى. لذا طوّرنا لوحة خاصة بنا على الإنترنت "لوحة المليار دولار" لإطلاع الجمهور على مقدار المال الذي تم سحبه. ولم يتمكّن السهم من الوصول إلى الرقم واحد حتى بل بقي عند الصفر. كانت تلك كلها كذبة كبيرة روّجتها الحكومة."

مؤخرًا، كشفت سي بي ار مولدوفا قضية فساد في بناء إستاد رياضي جديد في المدينة، حيث أنّه تمت الموافقة على الخطط لهذا الإستاد في فترة زمنية قياسية بلغت أسبوعَين فقط، وذلك بفضل جهود لأوليجاركي بلاهوتنيوك الذي أعلن أن هذا مشروع هام للمدينة. وتم منح العقد لشركة تركية بعد أسبوع على ترحيل عدد من المعلّمين الأتراك المشاركين في حملات مناهضة لأردوغان من البلاد من دون اعتماد الإجراءات حسب الأصول. وما زال لديهم طائرة مسيّرة تبث المعلومات على مبنى المدرّج للجمهور.

من ناحية أخرى، تشارك سي بي ار في عدد كبير من المشاريع الأخرى. من أحدث مبادراتهم منصة تعهيد جماهيري تجمع المعلومات حول الفساد في البلاد. تشرح فارتا: "لكي يتمكّن الناس من الإبلاغ عن الفساد على المستوى المحلي، أطلقنا المنصة في شهر أيار/ مايو وأصبح لدينا 80 تقريرًا من كافة أنحاء مولدوفا. بإمكان الأشخاص أن يكتبوا لنا من دون الإفصاح عن هويتهم. ونحن نلخّص المعلومات لإعطاء صورة شاملة عن وضع الفساد في مولدوفا وعن هوية أكثر المنظمات فسادًا. نريد أن ننشئ شبكة من المتطوّعين من كل المناطق. كما أنه لدينا اختبارات حول الفساد مع أسئلة مضحكة لتثيقف الناس."

تشير إيلينا دروتا، مدير المشاريع في سي بي ار، إلى كوب موضوع على رف قريب يحمل شعار "zona-zero"، وهو مشروع آخر للمنظمة يدعم الأعمال النظيفة. بإمكان مؤسسات الأعمال أو الأفراد أن يصبحوا أعضاء في هذا المشروع وأن يظهروا على موقع www.zonazero.md ويعرضوا لاصقًا خاصًا في مقرهم.

في وقت اللقاء، كان يسود جو من الأمل في مولدوفا مع التشكيل الجديد لحكومة ائتلافية جديدة مناصرة لأوروبا برئاسة مايا ساندو. وتصف فارتا هذه الفترة بأنها "إنتقالية. فنحن نتحوّل من منظمة غير حكومية معطلّة إلى منظمة قادرة على العمل مع الحكومة ومع البرلمان. وهم مهتمّون بالتعاون معنا ويحضرون الفعاليات التي ننظّمها ويصغون إلى ما نطلبه. ويريدون أن يحصلوا على المساعدة. يريدون أن يعرفوا ما هي القضايا الأساسية وما هي الحلول، لكن علينا أن نواصل النقد. لا نريد أن نرتاح أكثر من اللزوم حتى ولو كانت الحكومة صديقتنا. إذا كان هناك أمر يجب انتقاده فنحن سنقوم بانتقاده."

كجزء من هذا العمل تستضيف سي بي ار مولدوفا منصة على الإنترنت تدعى "تحفيز الديمقراطية" لتشجيع الشباب على أن يصبحوا مواطنين ناشطين يشاركون في تحديد المشاكل التي تهم مجتمعاتهم وحلّها. وقد نظّمت سي بي ار مؤخرًا مدرسة للديمقراطية حضرها 70 ناشطًا من كافة أنحاء البلاد.

هذا وتشارك المنظمة في رصد إصلاحات القوانين كجزء من عملها كهيئة رقابة. وهي تدير موقعًا إلكترونيًا له شعبية كبيرة watch.cpr.md يركّز على رصد كيفية اعتماد القوانين والإصلاحات وتطبيقها في مولدوفا وعلى شفافية العملية، وينشر مقالات حول هذه العملية ليبقى المواطنون على اطّلاع دائم عليها.

تجدر الإشارة إلى أنّ تصويت عدم منح الثقة في حكومة ساندو وانسحاب الحزب الاشتراكي من الائتلاف أدخل البلاد في أزمة سياسية جديدة. ومنا هنا يصبح عمل سي بي ار مولدوفا أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى في هذا الواقع السياسي الجديد.

You might also be interested in

ابقوا على تواصلٍ دائمٍ معنا

اشتركوا لتصلكم آخر الأخبار والقصص والفعاليات إلى بريدكم الإلكتروني